وسام كيروز
كنت في السادسة عشرة من العمر عندما سافرت بمفردي إلى فرنسا. ذُهلت بكل شيء اختبرته، لكن أمرا واحدا أصابني بالحيرة هو عندما قال لي والد صديقي، وعن حسن نية، إنني لست أبيض. اضطربت لسببين: أولا، كيف يكون ذلك وقد قيل لي منذ طفولتي أنني أبيض، وثانيا، لماذا يزعجني أن لا أكون أبيض البشرة. غادرت فرنسا مع أسئلة عِرقية لم تراودني من ذي قبل .
بعيدا عن الأمور الشخصية، تُعيد شوارع أميركا المضطربة والغاضبة مرة أخرى طرح مسألة العرق والتمييز العنصري. قبل أيام قليلة من مقتل جورج فلويد في مينيابوليس، كانت الفتاة البيضاء آيمي كوبر تتنزه مع كلبها في حديقة سنترال بارك. استاء كريستيان الذي كان يراقب الطيور في الحديقة لأن كلب آيمي كان طليقا في انتهاكه لقواعد التنزه في أشهر حدائق نيويورك. حصل تلاسن بين الفتاة والرجل. ما ستقوله الفتاة في تلك اللحظات سيكون حاسما في التأثير على ما سيحصل في الأيام المقبلة لأن كل شيء كان مُسجّلا بالفيديو. قالت آيمي للرجل: سأتصل بالشرطة وسأقول لهم إن رجلا أميركيا أفريقيا يُهدد حياتي. فهمت آيمي كل شيء. هي تعرف الخلل جيدا. تعرف أن الشرطة تميل إلى التصديق بأن رجلا أسود قد يكون عنيفا. قصة آيمي قد تكون حضّرت للانفجار بعد مقتل جورج فلويد. التمييز العرقي حقيقة، لكن ما ليس حقيقيا هو العِرقُ ذاته.
قصة "الإنسان الحكيم"
في الواقع، ليس هناك أعراق. كل البشر من جنس واحد، "الهوموسابينس"، وترجمة التسمية "الإنسان الحكيم"، رغم ندرة الحكمة في عالم البشر. وهناك عنصر كيميائي اسمه الميلانين، كلما زاد في البشرة، كلما مال لونها إلى السمرة. الباقي رواسب عشرات آلاف الأعوام من التاريخ المٌعقّد.
بالفعل، كان البشر أجناسا جابت الأرض طوال ملايين الأعوام، الـ"نياندرتال" والـ"هومو إركتوس" وغيرهما، لكن جنسا جديدا، ظهر في القرن الأفريقي قبل أقل من مئتي ألف عام فقط، فترة لا تُذكر في تاريخ الوجود الحي، هذا الإنسان الجديد سيُغيّر كل شيء. لسبب ما قبل سبعين ألف عاما قرر الإنسان الجديد، الـ"هوموسابينس"، أن يغامر خلف التلال التي كان يجمع منها التوت والفطر ويصطاد فيها أحيانا بعض الحيوانات. أغواه الأفق ربما، أو ضاقت به الموارد، لا نعرف، لكنه سيعبر باب المندب إلى الجزيرة العربية ثم منها إلى آسيا وأوروبا، ثم سينتظر شتاء قاسيا ليجتاز المحيط المتجمد الشمالي إلى أميركا، وسيعبر بطريقة ما من آسيا إلى أستراليا. في غضون آلاف الأعوام فقط، غزونا نحن البشر الأفارقة الجدد الأرض. ما سيحلّ بباقي الأجناس البشرية هو حرب إبادة، أو تطهير عرقي. البشر الجدد سيدفعون بباقي الأجناس إلى حدود القدرة على الاستمرار. آخر إنسان من الـ"نياندرتال" مات قبل أكثر من عشرين ألف عاما. نحو ٥% من جينات الـ"نيادرتال" استوطنت جيناتنا، ربما بسبب التزاوج في بعض الأماكن، قبل أن تتم إبادتهم، ليس بالقوة أو بالدهاء، إنما بسلاح أكثر فتكاً: القدرة على العمل معا.
بالثورات الثلاث والأسطورة
السؤال الذي طرحناه سابقا، لماذا هجر الإنسان الجديد موطنه الأفريقي؟ قد يكون الجواب في أول ثورة شهدتها البشرية. ثورة الوعي. عبّر الإنسان عن وعيه الناشئ بالرحيل، هكذا نحن كنا وما زلنا، نرحل عندما نعي وجودنا. نرحل إلى مكان آخر، إلى أن نرحل من الوجود برمته. عبّر إنسان آخر قبل ثلاثين ألف عام عن وعيه لوجوده في أحد كهوف جنوب فرنسا. رسم يده على جدار الكهف. كأنه كان يريد أن يقول أنا موجود هنا. أجداده عبّروا عنها بالرحيل، هو جسّدها بالفن.
ستحدث ثورتان لاحقتان تُغيّران الوجود البشري. الثورة الزراعية، عندما دجّنّا سنبلة القمح على ضفاف دجلة والفرات. بمفهوم التطور، القمح هو من دجّن الإنسان، وليس العكس، لأن القمح قد جعل منا مخلوقات داجنة. ثمّة ثورة ثالثة، ثورة العلم، إتها حديثة جدا، حدثت قبل بضع مئات الأعوام فقط. قد نكون اليوم في خضم ثورة أكبر من كل تلك الثورات. ثورة قد نطلق عليها تسمية: ثورة الإنسان المُعزّز، أي الإنسان الذي يُعزّز قدراته البشرية بأخرى تقنية تخترق النطاق البيولوجي. وداعاً للفصل العنصري وأهلا بالفصل التقني. في نهاية هذه الثورة، قد لا يبقى الإنسان بيولوجيا خالصاً. لكن مهلاً.. علمتنا أمثولة كورونا أن نتواضع. الحياة لا تزال هشّة، وحدود الوجود لم يتغيّر.
في كتابه الموسوعي "تاريخ مقتضب للجنس البشري"، يحاول الفيلسوف يوفال نواه هراري أن يفهم ما الذي جعل الإنسان قادرا على تغيير نطاق وجوده، من مخلوق هامشي في وسط سلسلة الطعام، إلى سيّد على المخلوقات. الجواب الأول هو الذي ذكرناه سابقاً: القدرة على التعاون بين أعداد كبيرة من البشر، لكن تلك القدرة ذاتها تفسيرها في عالم مُتخيّل صنعه الإنسان: الأسطورة. الواقع المُتخيّل، غير موجود في عالم الواقع، لكن هو حقيقي طالما الجميع يقبل به. من الأساطير مثلا أن المال له قيمة: 80% من أموال العالم لا وجود لها أصلا. هي أرقام في أجهزة كمبيوتر. وحتى الورقة النقدية، من أين تستمد قيمتها؟ تستمدها من أننا جميعا نعترف بسعر صرفها. ومن الأساطير أيضا، أن الناس عبيد وأسياد، وأن بعضهم متفوق على البعض الآخر. إذا كانت ثورة الوعي أبادت باقي أجناس البشر، فإن الثورة الزراعية أسّست للسلطة، والحروب، ثم السبي والعبودية. هكذا، كل ثورة كانت تأتي بأثمان باهظة على شريحة من المجتمع، ولم يكن ذلك بالضرورة على أساس لون البشرة.
لكن مشكلة نظرية هراري أنها مؤلمة ومُدمّرة. كل شيء أسطورة، الوطن أسطورة والشركات أسطورة وحقوق الإنسان أسطورة، وربما المساواة أسطورة: اتفقنا عليها لنتعاون في بناء هذا العالم المتلألئ أمام أنظارنا، مثل صرح من الواقع فوق أساسات من المُتخيّلات المشتركة التي نغيّرها بين الحين والآخر، وإنما بصعوبة بالغة، وفي خضم معارك طويلة، كأن نغير على مدى آخر مئتي عام، أسطورة العِرق، والأبيض والأسود. أميركا انتخبت رئيساً أسود، لكن رواسب ما تبقى.
أسطورة العرق والفاتحون الثلاثة
فكرت كثيرا في ما قاله لي والد صديقي الفرنسي.. أذكر أن آخر سؤال طرحته عليه في حوارنا المُقتضب: من هو الأبيض؟ السؤال الأصعب قد يكون في الواقع: من هو الأسود؟ قد يفوت المُنظّرين المؤمنين بالعرقية أن في أفريقيا ما يزيد عن 800 قبيلة وحضارة مع سمات جينية خاصة. ما نسميها القارة السوداء، أو السمراء في مسعى للحد من الوقع العنصري للكلمة، هي بحر من الشعوب والألوان المختلفة.. ماذا نسميهم جميعهم؟ السود، أو تخفيفا: السمر. الواقع أن اعتبار كلمة أسود كلمة عنصرية، قد يكون ذروة العنصرية الكامنة. هؤلاء "السود" كانوا مرارا وتكرارا ضحايا الأساطير، والتغيرات السياسية، وتحريرهم من نير العبودية لم يكن كافيا. مئتا عام لتغيير أسطورة؟ يبدو الوقت قليلا في ميزان التاريخ.
رغم المظالم، وهيمنة الأقوياء، يسير التاريخ على ما يبدو نحو الوحدة وليس التقسيم. هناك أيضا بحسب هراري، ثلاثة فاتحين يقودون مشاريع الوحدة: الإمبريالية، والمال والدِين. الواقع أن أسطورة العبودية والأعراق، هي أيضا من الخسائر الجانبية للمد الوحدوي حيثما حل في التاريخ. لنتذكر أن أثينا المُستنيرة بالفلسفة كان تعج بالعبيد، ولم يكونوا من ذوي البشرة السمراء. ديموقراطية روما لم تكن تشمل العبيد. التنوّر الأول أبقى على قمع البعض للبعض الآخر.
أما الفاتح المسالم، المال، فقد بدا لوهلة قادراً على توحيد البشرية من دون عنف. الشعوب المسيحية في أوروبا كانت تتعامل بصدر رحب مع تلك النقود الممهورة بعبارة "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، ونقود جنوى وفلورنسا الممهورة برسم العذراء مريم، كانت عملة معتمدة في شمال أفريقيا المسلم. لكن المال سيُكشّر عن أنيابه لاحقا. ستولد من رحم الفاتح المسالم أسوأ عبوديات التاريخ، خصوصا تلك التي يُعاني منها اليوم الهاتفون باسم جورج فلويد في شوارع مدن أميركا. بعد اكتشاف أميركا، نشأت على ضفاف الأطلسي أكبر تجارة للبشر في التاريخ. المعادلة سهلة. مستعمرون أوروبيون يسيطرون على الأراضي الخضبة في أميركا، آخرون يغزون أفريقيا، يستعبدون البشر متسلحين بأساطير الفوقية، وضمنا، بالحاجة إلى عمال أقوياء البنية، يحملونهم على سفن إلى العالم الجديد ليعملوا في المزارع. للمفارقة، معظم تلك المزارع كانت مزارع سكر، ولا يذكر منها التاريخ إلا طعم المرارة، حتى اليوم، مع تمتع أحفاد "العبيد" بالحرية المضمونة بالدستور في الولايات المتحدة. هذه التجارة الثلاثية كانت قاسية، من دون رحمة، لكن كانت غبية. تخيلوا أن فرنسا كانت تملك في الولايات المتحدة أرضا اسمها لويزيانا علي اسم ملك فرنسا العظيم لويس الرابع عشر. كانت مساحتها حينها ثلث مساحة الولايات المتحدة. ستة أضعاف فرنسا الحالية. باعت فرنسا لويزيانا لتتمكن من الاحتفاظ بمزارع السكر في الكاريبي، واستمرت الدوامة الجهنمية: عبيد من أفريقيا، سكر من أميركا.
الدين وأسطورة العبودية
ماذا عن الفاتح الثالث، الدين؟ الواقع أن أيا من الأديان الكبرى لم ينه الرق والطبقية بين البشر بشكل كامل. في الرواية المسيحية، المسيح يشفي العبد ويتعامل مع صغار القوم بتعاطف، لكن ليس هناك نص واضح يُنهي العبودية. الغريب أن المستعبدين على يد المُستعمِر المسيحي العنيف اعتنقوا بغالبيتهم ديانة مستعبدهم، المسيحية. لم يكن ذلك دائما بالعنف. أتباع جورج فلويد يُصلّون في الكنائس بتقوى لا يعرفها البيض. مستعبدون في أميركا سيروون مسيرتهم من العبودية إلى المسيحية بأغنية من أشهر الأغاني الروحية للأميركيين الأفارقة: AMAZING GRACE وترجمتها "نعمة رائعة، ما أعذب ذلك الصوت الذي اعتق رجلا مثلي. لقد كنت ضائعا ووجدت، كنت أعمى، واليوم أرى".
الإسلام كان أكثر وضوحا في التشجيع على إنهاء الرق والاستعباد، أيضا دون تحريمه بنص صريح. بعض المسلمين مارسوا الرق دون البناء على تراث واضح أسس لفرص إنهائه. لكن التجارة - الفاتح الثاني - سمحت لهم بنشر الإسلام في أقاصي الأرض. الفتح بالسيف كان في فترات محدودة، ليس كما يرى كثيرون. باختصار، الإنسان سار شوطا كبيرا في التغلب على أسطورة العرق التي كانت مفيدة للغاية في فترات سابقة، وبعض الرواسب تظهر بين الحينة والأخرى. هذا ليس خطرا بحد ذاته. الخطير أن تستخدم هذه الرواسب مجددا لأغراض سياسية، وقد يميل كثيرون للاعتقاد بأن مشكلة العنصرية حقيقية مرة، لكن استغلالها هو الحقيقة الأمر.
الثورة الأخيرة والقبائل غير المتواصلة
وبينما يتقدّم الفاتح الثاني، المال، بمد العولمة الكاسح-تُوحّدنا العولمة في شكل غير مسبوق. نمضي كبشر في ثورتنا الرابعة، ثورة تصنعها التقنية. يمكن اختصار هذه الثورة بجملتين: الإنسان يتسرّب إلى الآلة، والآلة تتسرّب إلى الإنسان.. الحدود بينهما قد تضيع. لكن لن نُنهي المقال هنا. بل في مكان آخر. في مكان ما داخل غابات الأمازون، أو على جزر الأندامان الهندية. هناك بشر لا يعرفوننا، لا يعرفون أننا موجودون، أو يعرفون بوجودنا لكنهم قرروا ألا يتصلوا بنا. يعيشون معزولين عن حضارتنا، أو بالأحرى عن تراكمات "أساطيرنا" إذا صح التعبير، بحسب نظرية هراري. بعضهم شاهدنا من بعيد، استشعر العنف في هدير المروحيات التي حلقنا بها فوق أكواخهم. عشرات الآلاف نسميهم "غير المتصلين". وجودهم أمر مذهل ومؤرق. وجودهم نواة لتاريخ بشري يمكن أن يبدأ من جديد، إذا اقتضى الأمر.

تعليقات
إرسال تعليق